الشنقيطي
31
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة الفاتحة قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ [ 2 ] . لم يذكر لحمده هنا ظرفا مكانيا ولا زمانيا . وذكر في سورة الروم أن من ظروفه المكانية : السماوات والأرض في قوله : وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الروم : 18 ] الآية - وذكر في سورة القصص أن من ظروفه الزمانية : الدنيا والآخرة في قوله : وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ [ القصص : 70 ] الآية - وقال في أول سورة سبأ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [ سبأ : 1 ] والألف واللام في الْحَمْدُ لاستغراق جميع المحامد . وهو ثناء أثنى به تعالى على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه به . وقوله تعالى : رَبِّ الْعالَمِينَ [ 2 ] . لم يبين هنا ما العالمون ، وبين ذلك في موضع آخر بقوله : قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا [ الشعراء : 23 - 24 ] الآية . قال بعض العلماء : اشتقاق العالم من العلامة ، لأن وجود العالم علامة لا شك فيها على وجود خالقه متصفا بصفات الكمال والجلال . قال تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) [ آل عمران : 190 ] والآية في اللغة : العلامة . قوله تعالى : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ 3 ] . هما وصفان للّه تعالى ، واسمان من أسمائه الحسنى ، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة ، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم ، لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا ، وللمؤمنين في الآخرة ، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة . وعلى هذا أكثر العلماء . وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا . وفي تفسير بعض السلف ما يدل عليه ، كما قاله ابن كثير ، ويدل له الأثر المروي عن عيسى كما ذكره ابن كثير وغيره أنه قال عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : الرَّحْمنِ رحمن الدنيا والآخرة ، و الرَّحِيمِ رحيم الآخرة . وقد أشار تعالى إلى هذا الذي ذكرنا حيث قال : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ [ الفرقان : 59 ] وقال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : ]